ابن قيم الجوزية

77

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

فإذا قوى باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه أو يملكه ولكن لا يملك طرفه أو يملكه ولكن لا يملك قلبه بل لا يزال يحدثه بما هناك ويعده ويمنيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكير فيما ينفعه في دنياه وآخرته فإذا عزم على التداوي ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولا بأمور : أحدها : أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيجدها من الأغذية المحركة للشهوة إما بنوعها أو بكميتها وكثرتها ليحسم هذه المادة بتقليلها فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يضعف مجاري الشهوة ويكسر حدتها ولا سيما إذا كان أكله وقت الفطر معتدلاً . الثاني : أن يتجنب محرك الطلب وهو النظر فليقصر لجام طرفه ما أمكنه فإن داعي الإرادة والشهوة انما يهيج بالنظر والنظر يحرك القلب بالشهوة وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم : ( النظر سهم مسموم من سهام إبليس ) وهذا السهم يشرده إبليس نحو القلب ولا يصادف جنة دونه وليست الجنة إلا غض الطرف أو التحيز والانحراف عن جهة الرمي فإنه انما يرمي هذا السهم عن قوس الصور فإذا لم تقف على طريقها أخطأ السهم وإن نصبت قلبك غرضاً فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة . الثالث : تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيما أباحه الله سبحانه غنية عنه وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس كما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم فالدواء الأول يشبه قطع العلف عن الدابة الجموح وعن الكلب الضاري لإضعاف قوتهما والدواء الثاني يشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا تتحرك قوتهما له عند المشاهدة والدواء الثالث يشبه اعطائهما من الغذاء ما يميل إليه طبعهما بحسب الحاجة لتبقى معه القوة فتطيع صاحبهما ؛ ولا تغلب باعطائها الزيادة على ذلك . الرابع : التفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر فإنه لو